إيميلي ديكنسون.. الإقامة الأبديّة في العزلة

إيميلي ديكنسون.. الإقامة الأبديّة في العزلة

إيميلي ديكنسون.. الإقامة الأبديّة في العزلة

السلطة الرابعة:
من بين ألفيّ قصيدة شعر كتبتها سراً، من دون لفت أنظار أفراد عائلتها، نشرت الشاعرة الأميركية «إيملي ديكنسون» (1830- 1886) في حياتها إحدى عشرة قصيدة لا يعرف - حتى الآن - سبب اختيارها لها من دون غيرها، لكن ديكنسون أوصدت بابها لتنضم إلى الأدباء الذين فرضوا على أنفسهم إقامة أبدية في العزلة أمثال: «جيروم سالنجر» و»هنري دارجر»، حيث إنها كانت تكلم، ولفترات طويلة، أفراد عائلتها من خلف الباب الممتثل - كحارس - لمزاجها المتقلب.
وبرغم تفوقها في الدراسة، اختارت ترك تعليمها كلياً، كما أنها لم تشارك في المناسبات الاجتماعية أو الدينية بل كانت من أشد المحاربين لهذه الروابط، لكنها كانت هشة تجاه والدتها، خاصة بعد إصابتها بمرض ألزمها الفراش؛ فوضعت ديكنسون نفسها موضع المرافق والممرضة لها، تتناوب في ذلك مع أختها ليفينيا، التي كانت بمثابة صديقة وبئر أسرارها، مما كان يتيح لها الكتابة وممارسة بعض الهوايات الأخرى.
كان ثمة كوّة سريّة في حياة ديكنسون تطير من خلالها رسائلها إلى صديقات وأصدقاء وعشّاق، كما لو أنها أرادت بذلك أن ترى نفسها من خلال الآخر، ولخوض الإحساس بمشاعر الحب والصداقة، خاصة أنها فقدت صديقتها الوحيدة «سوزان غلبرت» بزواجها من شقيقها، وكذلك موت «أوتيس فيليبس لورد» الذي كان من الممكن أن تنتهي مراسلاتهما بعلاقة حب كانت ستخرجها من عزلتها، وتعطي لقصائدها بعداً عاطفياً عوضاً عن مشاعر الانعزالية العالية
.
بعد وفاة والدتها اعتكفت مع أختها في بيتِ العائلة وحيدتين من دون زواج، وقد باحت لأختها عن تلك الرسائل، بعد أن أخذت العهد منها على إحراقها عند وفاتها، وهذا ما تحقق بالفعل، فبعد إصابة ديكنسون بالفشل الكلوي ووفاتها، إثر مضاعفات لم تمهلها، قامت ليفينا بإحراق مئات الرسائل، من دون أن تدري بأنها تشطب تاريخًا مهماً من حياة أختها، كان سيمكن النقاد والدارسين من العثور على مفاتيح لرموز قصائدها، والوقوف على جانب مهم من شخصيتها غريبة الأطوار.
وبمحض المصادفة تعثر ليفينيا في غرفة أختها على ما يزيد على ألفي قصيدة شعرية، لا تدري كيف ومتى كتبتها، لتقرر بمساعدة أصدقاء نشرها في مجلدات منفصلة، وما إن صدرت الطبعة الأولى منها حتى أصبحت إيملي ديكنسون واحدة من أشهر شعراء أميركا وأكثرهم تأثيراً في الشعر الأميركي والعالمي على مدى القرن العشرين، وظلت كتبها على قائمة الأكثر مبيعاً، وتناولت المناهج الدراسية أعمالها من التعليم الأساسي إلى الجامعي.
وعن ذلك يقول الناقد روبيرت سبيلر: «لحسن الحظ لا حاجة إلى تأكيد شهرة إيملي ديكنسون، معظم النقاد يبدون متفقين على أنها تقف ربما مع وِيتمان على قمة الإنجازات الأميركية في الشعر، وأنها أعظم شاعرة بين النساء، كان ملاذها ملاذاً إلى المطلق، لقد أصبحت واحدة من أعظم الشعراء في التاريخ وأعظم الشاعرات جميعهن من دون أن تتحرك من حديقتها».
نقلت أشعار إيميلي ديكنسون إلى العربية في طبعات عديدة، تسنى لي مؤخراً قراءة إحداها وهي «إيميلي ديكنسون.. مختارات شعرية ودراسات نقدية»، الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون، للمترجم والشاعر العراقي «نصير فليح»، تضم 54 قصيدة للشاعرة، بالإضافة إلى بعض دراسات النقاد المهمة التي تناولت شعرها، منهم: لديفيد راتلج، دين جيمس، شارون كاميرون، هيلين كايسي.
ـ عن الاتحاد